بيتر بروخل الأكبر رسام فلمنكي شهير في القرن السادس عشر ولا يعرف تاريخ ولادته على وجه دقيق ويعتقد أنه ولد في مدينة بريدا في هولندا الحالية، وفيها تعلم الرسم. كما لا توجد أي معلومات عن عائلته أو حياته، لكنه قام في بداية عشريناته بالسفر إلى إيطاليا ليتعلم الفن كما كان يقوم بها أي رسام في ذلك الزمن يرغب في التعلم على أساليب كبار الفنانيين في مدن إيطاليا مثل فلورنسا وروما. عاد بعد ذلك إلى أنتورب في بلجيكا الحالية لينشئ مرسمه ويمارس عمله رساما محترفا وقد كانت أنتورب ميناء تجاريا ترسو في السفن وتنشط حركة التجارة مما جعلها خيارا ممتاز للإقامة والعمل، ثم انتقل إلى بروكسل وفيها توفي في الأربعينيات من عمره.

يعتبر بروخل من الرسامين العلمانيين الذين تتجاوز لوحاتهم المواضيع الدينية الإنجيلية، حيث مواضيع الرسم وقتها كانت دينية تمثل الشخصيات الإنجيلية والقديسين والشهداء المسيحيين، أو أسطورية تمثل أساطير إغريقية أو رومانية مشهورة، أو بورتريهات تتعلق بالنخب الحاكمة وطبقة النبلاء، حيث أن عملاء الرسامين هم الكنائس والنبلاء والتجار. أما بروخل فقد رسم الحياة اليومية الاعتيادية مثل مشاهد التزلج على الجليد وألعاب الأطفال ورسم أفراح الفلاحين وعاداتهم وسمّي برسام الفلاحين.
يعود السبب في ذلك إلى حركة الإصلاح الدينية أو البروتساتنتية التي اعترضت على تصوير القديسين في اللوحات ونحتهم في التماثيل واعتبروا ذلك “ضربا من الوثنية البابوية” وقد خسر الرسامون في البلدان الشمالية مثل أنجلترا وهولندا والمانيا مصادر دخلهم التي تعتمد على الكنيسة لذلك اتجهوا إلى تصوير الأشخاص النبلاء وبيع اللوحات عليهم. لكن في مناطق الأراضي المنخفضة استطاع الرسامون الهولنديون تطوير موضوعات مختلفة لا تعترض عليها الكنيسة البروتستانتية، مثل محاكاة الطبيعة، وقد وجدوا لأنفسهم مجالا للتفوق في تصوير الأزهار والأشجار وقطعان الخراف كما تفوق الإيطاليون في تصوير الأجساد البشرية ونحتها بدقة. هذا التوجه للطبيعة أعطى الرسامين الشماليين سوقا جديدا يستعرضون فيه مهاراتهم في تصوير الحياة اليومية والطبيعة والحيوانات، وهنا برز أحد أعظم الرسامين الفلمنكيين بيتر بروخل الأكبر.
ألوان بروخل غنية ومشبعة وتتوزع على اللوحة بالتساوي عكس ما كان سائدا في إيطاليا من قلة الألوان وخصوصا في الخلفية حيث ينصب التركيز اللوني على موضوع اللوحة الأساسي، أما بروخل فقد أشبع كل عناصر لوحته بالألوان. وأهم ميزتين في رسم بروخل هي الاتساع والتجميع، حيث يرسم صورة متسعة جدا أو فضاء عريض ثم يملأه بالمناظر الطبيعية والشخوص البشرية والتي تمثل أحداثا يومية. أما اتساع النظرة فقد اكتسبها من عبوره جبال الألب أثناء رحلته إلى إيطاليا حيث اعتادت عينه على الرؤية من علٍ أو ما تسمى بنظرة الطائر، وكأنه يقلب طرفه في فضاء عريض كما قال امرؤ القيس.
هذا لا يعني خلو لوحاته من قصص إنجيلية كما في لوحة برج بابل أو الموكب إلى الجلجلة لكنها أيضا اتسمت بالاتساع والتجميع أو التركيب حيث يركب مشاهد متعددة كما بقية لوحاته التي طورها بالاتصال مع الطبيعة ومراقبة حياة الفلاحين بدقة. وهذه التدوينة تستعرض بعضا من لوحاته الشهيرة.
الصيادون في الثلج
في هذه اللوحة تتضح سمات رسم بروخل من حيث الاتساع حيث صادف هذا المشهد خلال سفره وكذلك تجميع الشخوص والأغراض داخل اللوحة. وتعتبر هذه اللوحة ثورية ليس لأنها خرجت من إطار الكنيسة والتجار والأساطير بل لأنه أول من قدم منظر طبيعي للثلج، فلم يفكر أحد من فناني عصور النهضة من رسم الثلج.

في هذه اللوحة نرى اللون الأبيض مهيمنا على الصورة وقد اختار الأخضر الرمادي لونا للسماء لتعكس الصقيع والبرودة. وتبدأ من الحافة التي يقف عليها الصيادون ثم تنزل إلى المدينة التي نشاهدها كاملة بمبانيها وجسورها وسكانها حتى الجبال في الجهة الأخرى البعيدة. في الجزء الأسفل من الجهة اليسرى نرى كلاب الصيد وقد اختلطت آثار أقدامها بأقدام الصيادين الذين يسبقونها وأمامهم أشجار أسقط الشتاء أوراقها. ومن فوقهم عائلة تحاول إشعال النار خارج منزلهم، ومن مكانهم المرتفع ينظرون إلى القرية التي يتزلج أهلها على البحيرة المتجمدة ويلعبون الهوكي وكانت أحد نشاطات البلاد المنخفضة وقت نزول الثلج وتجمد البحيرات والأنهار، كما يمارسون حياتهم الطبيعية في التنقل كما يحب أن يصورهم دائما.
هذه ليست لوحته الوحيدة للثلج فقد رسم المتزلجون على الثلج وحتى أحداث الإنجيل تخيلها تحدث في الثلج وقد رسم عدة قصص دينية شتوية.
الحصادون
ومن الشتاء إلى الصيف ولونه الأصفر وحقوله الممتدة يرسم لنا بروخل لوحة “الحصادون”
مرة أخرى إطار عريض يبدأ من الحقل الممتلئ بالفلاحين الذين يعلمون في الحصاد وقد نام أحدهم تحت شجرة كبيرة نرى من ورائها الكنيسة بلونها الأزرق وبجانبه مجموعة يتناولون طعامهم في الجزء المحصود من الحقل تعلوهم امرأة تجمع الحصاد وخلفها رجل يربطه وآخر لا زال يحصد. كما نرى عربة تسير في الطريق تحمل محصود الفلاحين. بعدها يأخذنا إلى القرية والتي نرى أطفالها يلعبون في سهل أخضر منبسط ثم تظهر بيوتهم وتبتعد اللوحة حتى تصل البحيرة والمكان البعيد وراءها. وقد أعطى اللوحة ألوانا غنية حيوية تبدأ من الأصفر البرتقالي والتي تدل على دفء الصيف إلى ألوان باردة مثل الأزرق في الكنيسة والأخضر في العشب لتقلل من حرارة اللوحة الصيفية.
زفاف الفلاحين
هنا مشهد داخلي وليس كأنه طائر يقلب طرفه من الفضاء لكنه يمثل أسلوب بروخل خير تمثيل.
يرسم بروخل القاعة المصنوعة من الطين والقش على اتساعها بداية من الباب ويكدس الفلاحين أمامه ويرسمهم ويشبع اللوحة بالألوان ليرسم لنا مشهد زفاف في إحدى القرى. نستطيع تمييز العروس حيث تتوسط اللوحة وخلفها رداء أخضر ويعلوها ما يشبه التاج الورقي للدلالة عليها، ويجلس على يسارها والداها. أما العريس فقد يكون أي شخص من الحضور ربما الذي يتناول صحنا أو الذي يجلس قبالة العروس أو ربما هو غير موجود لأن هذا حفل في بيت الفتاة قبل الحفل الأكبر؛ كل الاحتمالات ممكنة. نعود للحضور والذي يحتل أغلب اللوحة هما حاملا الأكل الذي قد يكون حلوى أو حساءً أو عصيداً وقد استخدما خشبة حاملا للأطباق ويضيفون الحضور من هذه الأطباق والتي تبدو شهية لأننا نرى طفلا يرتدي قبعة حمراء أسفل اللوحة يأكل منها ويلعق أصابعه. خلفه شخص آخر يقدم المشروبات من جرة فخار ويصبها في جرة أصغر ويقف من ورائه موسيقيان لإحياء حفل الزفاف أمام الضيوف المستمتعين بالوليمة ونرى في أقصى يسار اللوحة المزيد من الضيوف يدخلون. وفي يمين الصورة يجلس رجل يبدو أنه رجل دين مرتدياً زياً يختلف عن باقي الفلاحين. نميز هنا الألوان رغم قلة الضوء الداخل للقاعة وتوزيع اللون الأحمر داخل اللوحة ودرجات الأخضر والأزرق في أزياء الضيوف. وله لوحة أخرى للزفاف بعنوان رقص الفلاحين وثق فيها الرقص وهي لوحة في الطبيعة وليس داخل قاعة.

ألعاب الأطفال
في هذه اللوحة يوثق ألعاب الأطفال التي يلعبونها في وقته سواء كانوا جماعات أم أفراداً.

لا يختلف هنا عن أي لوحة أخرى مع أن تركيز اللوحة في النصف الأسفل منها لكننا نرى الزقاق أعلى اليمين ممتداً ليغطي عدة منازل من القرية كما أنها يسارا في الأعلى تمتد لخارج حدودها ونرى الطبيعة الخضراء في الأفق الممتدد خارجا. كما يبدو أنه يقف على تلة مرتفعة يرسم هؤلاء الأطفال وهم يلعبون بالبراميل والعصي والإطارات ويتسلقون الأسوار ويتقلبون على أعواد الخشب كما يتضارب الأولاد ويقفزون فوق بعضهم ويغيظون بعضهم. وربما تعرفون بعض هذه الألعاب التي عاشت قرونا ولعبها الأطفال في كل بلاد العالم من وحي البيئة والأدوات المتوفرة. ولهذه اللوحة لوحة مشابهة عنوانها “الأمثال الهولندية” حيث رسم عدة أمثال في لوحة واحد وكل مشهد يمثل مثلا مشهورا في الثقافة الهولندية.
الأعمى يقود الأعمى
يقول بشار بن برد: قد ضل من كانت العميان تهديه.

في هذه اللوحة التي نرى فيها السمات السابقة من اتساع المشهد والإطار العريض للصورة لكن هنا يجسد حركة سينمائية قريبة للصورة التي يقود فيها أعمى مجموعة من العميان والذي سيجعلهم يضلون الطريق ويقعون كما أكد بشار بن برد ذلك. في هذا المشهد المتحرك نرى القائد الأعمى الذي وقع أرضاً مما استدعى وقوع الأعمى الذي يليه والذي رسمه في حالة السقوط وهذا يجعلنا نتخيل بقية العميان خلفهم ستقع فوقهما هي الأخرى. وقد أخذ حيز الصورة كاملا من الأعمى الأول إلى الأعمى الأخير والذين نتعرف على عماهم بمسكهم للعصي واتجاه نظراتهم الذي لا يتوجه نحو الطريق.
لبروخل لوحات أخرى شهيرة ومهمة في تاريخ الفن مثل مشهد سقوط إيكاروس والذي سيكون له مقالا مفصلا بإذن الله، وكذلك أشهر لوحاته برج بابل لكن يطول الكلام عنها فأكتفي بوضع صورة اللوحة.

المراجع
- قصة الفن، إرنست غومبريتش- ترجمة: عارف حديفة. 2012.
- Bruegel By William Dello Russo – Published by Prestel
Aug 13, 2012 - اللوحات من ويكيبيديا
اترك رداً على الفتى الذي طار عاليا نحو الشمس – زرقة إلغاء الرد