المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي هو أحد رواد السينما الروسية والسينما التي تعرف بـ”السينما الشعرية”. كان والده أرسيني تاركوفسكي شاعرا وأمه مدققة لغوية. وقد كان مثقفا محبا للفنون وقد وظف بعضها في أعماله، فقد حول رواية إلى فيلم وصنع فيلما عن حياة رسام روسي واستخدم موسيقى باخ في أفلامه واستلهم لوحات عدة رسامين في أعماله وهي أساس هذا المقال الذي سيقتصر على بروخل ودافنشي ورامبرنت.
بيتر بروخل الأكبر
أكثر الرسامين الذين يتضح تأثيرهم في أفلام تاركوفسكي بشكل ضمني أو صريح هو الرسام بيتر بروخل الأكبر. ويقول عنه: “تحتوي لوحاته دائمًا على أحداث متوازية والعديد من الشخصيات التي تنشغل كل منها بأعمالها الخاصة”

في فيلمه أندريه ريبلوف وطفولة إيفان كانت هناك العديد من مشاهد الثلج ذات الأشجار الطويلة المشابهة للوحة الصيادون في الثلج، وتاركوفسكي يحب استخدام الإطارات العريضة بما يشبه اتساع لوحات بروخل، وفي بداية فيلم أندريه روبليف نشاهد شخصا يطير وينظر إلى الأرض من ارتفاع وكأنه طير.
في فيمله Solaris أحد أفلام الخيال العلمي الذي تقع أحداثه في الفضاء، نشاهد مجموعة “الفصول” لبروخل معلقة على الجدار وهي مجموعة مناظر طبيعية رسمها بروخل لتمثل فصول السنة.

ولعل سبب حبه للوحة “الصيادون في الثلج” وتمثيلها هو بسبب تشابه جوها الثلجي البارد مع جو روسيا المعروف ببرودته الشديدة. ويقول في كتابه النحت في الزمن: “في روسيا تجد تلك الأمطار المديدة الكئيبة المتواصلة. المطر، النار، الماء، الثلج، الندى، الريح كلها جزء من المحيط المادي الذي فيه نقطن ونوجد، بل إنها جزء من حقيقة حياتنا. أنا أحب الطبيعة ولا أحب المدن الكبيرة وأشعر بسعادة بالغة حين أكون بعيدا عن أدوات الحضارة الحديثة. هذه السعادة وهذه الروعة كنت أشعرها في روسيا عندما كنت أقيم في منزلي الريفي الذي يبعد عن موسكو 300 كيلو مترا”

في فيلم المرآة الفيلم الأقرب له والذي يمثل ذكريات طفولته كاد ينسخ مشهد التزلج على الثلج في اللوحة ليضيفه إلى فيلمه، ولعل المشهد متحركا أوضح من الصورة.
ليوناردو دافنشي

“تلك الصورة التي تهز كينونتنا حتى الأعماق، لا يمكن تأويلها من ناحية واحدة فقط. لننظر إلى اللوحة التي رسمها ليوناردو واستخدمناها في فيلم المرآة لمشهد اللقاء القصير بين الأب وأبنائه حين يعود إلى البيت في فترة الإجازة. ثمة شيئان ملفتان للنظر بشأن هذه اللوحة، أحدهما قدرة الفنان المذهلة على استنطاق الشيء من الخارج، ناظرا فوق العالم. والآخر هو حقيقة أن اللوحة تؤثر فينا وتحرك مشاعرنا على نحو متزامن، في حالتين متعارضتين، أنه ليش ممكنا التأكد من الانطباع أو التأثير الذي تمارسه اللوحة علينا في النهاية. ليس ممكنا على نحو محدد ويقيني ما إذا كنا نميل إلى المرأة أم لا، ما إذا هي مغرية أم بغيضة. ذلك لأنها جذابة ومنفرة في آن.”

“في فيلم المرآة كنا نحتاج إلى اللوحة من أجل إيلاج عنصر سرمدي في اللحظات التي كل منها الأخرى أمام أعيننا، وفي الوقت ذاته لوضع اللوحة في تجاور مع البطلة بحيث نؤكد في الشخصية وفي الممثلة تلك الخاصية؛ القدرة ذاتها على الإفتان والتنفير في آن.”


رامبرانت
في فيلم Solaris حيث يبتعد بطل الفيلم عن الأرض، يقربه الفن إليها فقد استخدم تاركوفسكي لوحات بروخل الأكبر وأندرييه روبليف ورامبرانت وغيرهم.


في هذا المشهد والذي نرى فيه لوحة بروخل الأكبر بوضوح كبير قام بتركيبه على شكل لوحة رامبرانت مع زوجته لتمثل البطل مع زوجته، اللوحة المرسومة عام 1635 تمثل مأساة لأنه علاقة الحب بين الزوجين لم تدم طويلا حيث ماتت ساسكيا كما فقد بطل الفيلم زوجته أيضا.

أما الاقتباس الأوضح فهو للوحة عودة الابن الضال، وهي لوحة من قصص الكتاب المقدس تمثل عودة الابن بعد محطات ترحال طويلة ليركع أمام والده طالبا المغفرة منه وهي لوحة شهيرة جدا في تاريخ الفن.

في نهاية الفيلم بعد أن طاف الابن الفضاء عاد إلى منزل والده طالبا الغفران كما في لوحة رامبرانت وهو تمثيل صريح للوحة.
المراجع
- النحت في الزمن، أندريه تاركوفسكي. ترجمة أمين صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2006.
- Why So Many Filmmakers Have Paid Homage to Pieter Bruegel (artnews.com)
- Tarkovsky’s emptiness and philisophy in frames | by Lyuba Tsebekova | Medium
- Leonardo’s portrait of Ginevra de’ Benci (italian-renaissance-art.com)
أضف تعليق