زرقة


وللموت حولي جيئة وذهاب

“إنك ميت وإنهم ميتون” حقيقة لا تقبل النقاش عند البشر باختلاف أديانهم وثقافاتهم وطبيعة حياتهم. الموت حقيقة حتمية يراها الناس بأعينهم وتسترهبهم. وقد تعاملوا مع الموت بحسب ثقافاتهم، بالرهبة وبالاحتفاء وبالتقبل وبالرقص وبالإيمان وبالخوف. والموت أمر مجهول لا يعرف الناس وقته ولا يحدثهم أحد ممن مات عما حدث له، حتى أن عمرو بن العاص رضي الله عنه أحد حكماء العرب تعجب من الرجل الذي ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه، فكيف لا يصفه؟ وهذا الغموض زاد من أهمية موقع الموت في الثقافات.

شغل موضوع الموت العديد من الفلاسفة وكتبوا عنه وناقشوه فهو الموضوع المؤكد عند كل البشر. سقراط مثلا كانت له وجهة نظر متفائلة حول الموت فالبشر يخافون من المجهول وما بعد الموت مجهول عندهم، لكنه يرى أنه ربما كل الخير يقع بعد الموت حيث تتحرر الروح، وما شربه السم بيده إلا دليل تقبله للموت. وظل موضوعا يشغل الفلاسفة على مدى قرون طويلة وتكلم فيه المتكلمين الإسلاميين والفقهاء والوعاظ والفلاسفة الغربيين، ولم يقتصر على الفلاسفة ورجال الدين بل شغل الأدب بأقاصيصه وأشعاره ونصوصه وخطبه.

وقد تكلم الشعراء الجاهليون عن الموت سواء كانوا يؤمنون بالبعث بعده مثل زهير أو يؤمنون أنه الفناء الأخير. وقد استخدموا فكرة حتمية الموت في الحث على الشجاعة حيث أنه إن لم تمت داخل معركة أو مدافعا عن نفسك وأرضك فستموت بطريقة أخرى أو كما قال المتنبي:

وإذا لم يكن من الموت بد … فمن العجز أن تموت جبانا

والشاعر الفارس عنترة الذي لا يهاب الموت يقول:

وإِذا الجبانُ نهاكَ يوم كريهةٍ … خوفاً عليك من ازدحامِ الجحفلِ
فَاِعصِ مقالتهُ ولا تحفِل بِها … واِقدم إِذا حقَّ اللِقا في الأَول
واختر لنفسِك منزِلاً تعلو بِه … أَو مت كريماً تحت ظلِ القسطلِ
فَالموت لا ينجيك مِن آفاتهِ … حصن ولو شيَّدته بِالجَندل
موت الفتى في عزة خير له … من أَن يبيت أَسيرَ طَرفٍ أَكحلِ

وطرفة بن العبد قد أكثر من ذكر الموت في معلقته وكأنه يعلم أنه سيموت مبكرا قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره فيقول:

َلا أَيُّهذَا اللاَّئِمِي أَحضُرَ الوغى … وأَن أَشهد اللذات هل أَنت مُخْلِدِي
فإِن كنت لا تسْطِيعُ دفع منِيَّتِي … فدعني أُبادرها بِما ملكت يدِي
أَرى العيش كنزًا ناقصًا كل ليلةٍ … وما تَنقُصُ الأَيام والدهر يَنْفَدِ
أَرى الموت أَعداد النفوسِ ولا أرى … بعيدًا غدًا ما أَقرب اليوم من غدِ

أما الحكيم زهير بن أبي سلمى يؤكد على أنه لا مفر من الموت وأن هناك يوما للحساب بعده:

فلا تكتُمنَّ اللَه ما في نفوسكم … ليخفى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلمِ
يؤخَّر فيوضع في كتاب فيُدَّخر … ليوم الحساب أو يُعجَّل فَيُنقَمِ
رأيتُ المنايا خَبط عشواء من تُصِب … تُمِتهُ ومن تُخطئ يُعمَّر فيهرمِ
ومن هاب أَسباب المنيَّةِ يلقها … ولو رام أسباب السماء بسُلَّمِ

لم يكن الرسامون استثناء فقد شغلهم الموضوع كما شغل الأدباء والشعراء والفلاسفة، وحاولوا تصويره وترميزه وقد استخدم الرسامون الغربيون رموز تدل على الموت مثل الجمجمة والهيكل العظمي والفاكهة المتعفنة والساعات الرملية والأدوات الموسيقية. وفي هذا المقال نستعرض بعض اللوحات التي تصورت الموت وحاولت تمثيله على القماش بالألوان.

البداية مع لوحة بيتر بروخل الأكبر المعنونة بـ “انتصار الموت”

انتصار الموت (1562) بيتر بروخل الأكبر

في لوحته عبر بروخل عن انتصار الموت على البشر حيث لا مفر منه، وبأسلوبه المعهود رسم لوحة عريضة فيها شخوص متعددة، ونرى فيها نساء وأطفال وفرسان ومهرجين وملوك وأغنياء وفقراء ورجال دين وأقوياء وضعفاء ليقول ألا أحد مستثنى من الموت. في يمين الصورة من الأعلى نجده يمثل الموت على شكل هيكل عظمي وهو يخنق أحدهم ويجره للأسفل، وآخر يشهر سيفه ليقطع رأس الشخص أمامه ومن ورائهم رجل مشنوق وفي الجزء الأيسر نجد غرقى وفي الأعلى سفن تحترق؛ “تعددت الأسباب والموت واحد”. وفي أقصى أسفل يمين الصورة نجد عاشقين يستمتعان بالموسيقى جاهلان بأن الموت يعزف لحن الفناء فوقهما. وفي الأعلى نشاهد الأشجار قاحلة دلالة على الموت وقد اختبأ أحد الأشخاص من الموت في الصورة لكن سهم الموت أصابه، وكأنه يقول للذين يحاولون الهرب من الموت أسفل منه؛ لا جدوى.

الفتاة والموت (1908) مارياني ستوكس

في كتابه “العالم كما تراه الألوان: تاريخ ثقافي” يقول جيمس فوكس: “في القرن الأول الميلادي كان الأسود رمزا صريحا للموت، الأمر الذي جعل رؤيته -ليس إلا- تملأ الرومان بالخوف” وفي مكان آخر يقول: “لم تبدأ العلاقة بين الأسود والظلام والموت في التبلور حتى الألفية الأولى قبل الميلاد، حين أطلق عليه الإغريق القدماء ميلاس والتي تعني أيضا الظلام، وربطوه دوما بالموت”

في هذه اللوحة للرسامة النمساوية مارياني ستوكس يأتي الموت مغطى بسواد كامل ليأخذ حياة الفتاة التي تتمسك بلحافها خوفا وفي عينيها نظرة رجاء للموت فهي ما زالت صغيرة.

لوحة من القرن الثامن عشر تمثل رقصة الموت

فكرة رقص الموت ظهرت في أواخر العصور الوسطى وفيها يكون الموت على شكل هياكل عظمية تصاحبها آلات موسيقية وترقص مع الأحياء وتوجههم نحو القبر وغالبا الرقصة تتكون من جميع فئات المجتمع رجالا ونساء وأطفالا وملوكا وفقراء يرقصون بجانب بعضهم للدلالة على أن الموت لا يفرق بين الناس. وتبدو أساسات هذه الفكرة ظهرت في ظل انتشار الطاعون في أوروبا والذي يعرف بالموت الأسود. وفي هذه اللوحة يبدو لنا الشخص الذي أمامنا أنه ملك من التاج الذي على رأسه وعلى يمينه امرأة تبدو أنها خادمة من لباسها وشخصيات أخرى يظهر أنهم من النبلاء ورجال الدين والذين يراقصون الهياكل العظمية إلى قبورهم.

رقصة الموت (1490) يانيز از كاستفا

لوحة أخرى في القرن الخامس عشر تمثل رقصة الموت حيث تراقص الهياكل العظمية الأحياء إلى قبورهم ونرى أدوات الحفر بجانب القبر.

أما اللوحة الأشهر في مجالها هي لوحة بوكلين الذي رسم نفسه مع الموت العازف على الكمان خلفه مباشرة.

صورة ذاتية مع الموت عازف الكمان (1872) آرلوند بوكلين

رسم الفنان السويسري نفسه ومثل الموت على شكل هيكل عظمي يقف قريبا جدا منه لدرجة كأنه يهمس له وهو ينصت بانتباه دلالة على إحاطة الموت الدائمة به. الإحساس بالموت في اللوحة حاضر وقريب وكأنه يسمع أنفاسه ويسمع لحن الموت الذي يعزفه. ولا عجب أن تسيطر ثيمة الموت على أعمال بوكلين فقد مات له عدة أطفال بعضهم مات من داء الكوليرا.

صورة السير بريان توك (1540)

استوحى بوكلين لوحته من لوحة للسير بريان توك في القرن السادس عشر لفنان مجهول، وبوكلين بدوره أوحى لكثير من الرسامين باستلهام فكرة اقتراب الموت منهم شخصيا وكأنهم يرددون مع أبي فراس الحمداني قوله: “وللموت حولي جيئة وذهاب”.

مشهد صامت مع جمجمة (1671) فيليب دي شامبين

في اللوحة أعلاه وضع الرسام رموزا للحياة تمثلها الوردة والموت تمثله الجمجمة والوقت المرتبط ارتباطا شديدا بفكرتي الحياة والموت وتمثله الساعة الرملية التي تدل على انقضاء الوقت المتبقي للحياة وجمعهم على سطح واحد ويأخذ الموت المساحة الأكبر والجزء الأوسط من اللوحة.

الموت والحياة (1910-1915) غوستاف كليمت

الرسام النمساوي غوستاف كليمت رسم الموت في موازاة الحياة. الموت أسود وداكن وشرير ومتربص بالأحياء ولا يحمل إلا العظام. أما الحياة فهي مشرقة وملونة وأجساد غضة ومشاعر حية.

تكوين مع جمجمة (1908) بابلو بيكاسو

هنا يرسم الأسباني التكعيبي بيكاسو الجمجمة رمز الموت وانعدام اللذات في مركز التكوين الذي يتميز بالخطوط الحادة التي تناسب موضوع اللوحة. يحيط بيكاسو الجمجمة الخالية من الحياة بألوان دافئة تدل على التوتر مثل الوردي والبرتقالي وقد يدل الأحمر على المأساة بينما الألوان الباردة الأخضر والأزرق في أعلى الصورة بعيدا عن الجمجمة.

أما التمثيل الأصدق للموت فهو لم يرسم على قماش بل قاله القتيل الشاب طرفة بن العبد قبل قرون طويلة:

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى … لكالطِوَل المرخى وثِنياه باليد

متى ما يشأ بوما يقُده لحتفه … ومن يك في حبل المنية ينقد

يقسم أن الموت لا يخطيء أحدا ولا يترك إنسانا وشبهه بالحبل (الطول) وهذا الحبل مرخى لكن طرفه (ثنياه) في اليد. ويقصد “أقسم بحياتك أن الموت في مدة إخطائه الفتى -أي مجاوزته إياه- بمنزلة حبل طُوّل للدابة ترعى فيه، وطرفاه بيد صاحبه. أي أنه لا يتخلص منه كما أن الدابة لا تَفلِت ما دام صاحبها أخذا بطرفي طِولها. فمتى شاء الموت قاد الفتى لهلاكه، ومن كان فب حبل الموت انقاد لقوده”. فإذا رسم هذا المشهد سيكون لوحتي المفضلة في هذا الموضوع.

المراجع


أضف تعليق