زرقة


الفتى الذي طار عاليا نحو الشمس

في أسطورة إغريقية شهيرة عن الصانع والحرفي العبقري ديدالوس الذي سجن على جزيرة كريت في متاهة صنعها بيده لا يمكن الخروج منها ، ومعه ابنه الشاب إيكاروس فما كان من صاحب الأفكار المبتكرة إلا أن قرر أن يهرب عبر السماء إذا ضاقت عليه الجدران في سجنه، فجمع ريشا ليصنع بها أجنحة له ولابنه حتى يطيران ويحلقان خارج الأسوار وينعما بالحرية. وبعد أن أتم صنح الأجنحة القادرة على حمله هو وابنه قرر لصقها بالشمع ليطيرا إلى الحرية المنتظرة، فأعطى ابنه نصيحة وهي ألا يحلق عاليا فتذيب الشمس الشمع وألا يحلق منخفضا فتثقل رطوبة البحر جناحيه فيغرق فيه.

بعد أن أتم صنعته طار الأب وولده خارج الأسوار بالجناحين الملصقين بالشمع وفي أثناء طيرانهما أعجب الولد إيكاروس بنفسه وبنجناحيه وأعجبه التحليق فنسي نصيحة والده وقرر أن يحلق عاليا فأذابت حرارة الشمس الشمع الذي يجعل الأجنحة متماسكة فسقطت أجنحته وسقط وراءها ولقي حتفه فورا، وسط حسرة والده الذي رأى ابنه يموت باختراع صنعه بيديه.

ديدالوس وإيكاروس للرسام الفلمنكي أنثوني فان دايك (1615/1625)

هذه الأسطورة أصبحت رمزية تضرب بها الأمثال في الغرور والتهور والاقتراب الشديد من الشمس أو “الحقيقة” وأصبحت حاضرة في الثقافة الغربية لعدة قرون وتوجد مقولة تقول” لا تحلق قريبا جدا من الشمس”. فكان لها أثر في القصائد والكتب.

وقد ألهبت هذه الأسطورة خيال الرسامين وأصبحت موضوعا للرسم من ضمن قصص الأساطير الإغريقية والرومانية التي انتشر رسمها في عصور النهضة وما بعدها خصوصا حتى تحرر الرسم شيئا فشيئا من الأساطير والمواضيع الدينية.

في اللوحة السابقة نشاهد مشهدا للأب وهو يعطي تعليماته للابن بألا يحلق قريبا من الشمس ولا البحر، من رسم الرسام الفلمنكي أنثوني فان دايك وقد استغرق رسم هذه اللوحة قرابة العشر سنوات.

رسام فلمنكي آخر هو بيتر بول روبنز رسم مشهد السقوط حيث نرى الأب ديدالوس يطير بشكل طبيعي وجناحاه في مكانهما وهو يلتفت ليرى مأساة سقوط ابنه الذي لا نرى عليه إلا أثرا بسيطا للريش المتبقي مع خيط الربط على يده اليسرى.

سقوط إيكاروس للرسام الفلمنكي بيتر بول روبنز (1636)

في لوحة أخرى في نفس التاريخ ولرسام فلمنكي آخر هو جيكوب بيتر غاووي يكاد يينسخ لوحة رروبنز بألوان أكثر وضوحا وإشراقا يرسم هذه الأسطورة الإغريقية الشهيرة.

سقوط إيكاروس للرسام الفلمنكي جيكوب بيتر غاووي (1636-1638)

وفي اللوحة أدناه نشاهد منظرا طبيعيا للأرض لكن في السماء نشاهد رجلين أحدهما يحلق والآخر قريب من الشمس لكنه في حالة سقوط، ولا شك عندي أن الرسام استوحى هذا المشهد من لوحة بروخل الأكبر التي سنأتي على ذكرها.

مشهد طبيعي لفلاح يحرث الأرض وسقوط إيكاروس للرسام الفلمنكي مارتن ريكيرت (1620-1630)

أما اللوحة الأشهر والأجمل والمفضلة لدي شخصيا فهي لوحة بيتر بروخل الأكبر، وهي تعكس أسلوب بروخل الشهير من حيث اتساع الصورة وتجميع الشخوص والأغراض والإطلالة على المشهد بأسلوب عين الطائر.

مشهد طبيعي وسقوط إيكاروس للرسام الفلمنكي بيتر بروخل الأكبر (1560)

في هذه اللوحة المتعددة المشاهد نجد صورة للقرية كاملة حيث نرى في الجزء الأعلى يمنيا الجبال البعيدة وفي الجزء الأعلى يسارا قرية كاملة ببيوتها ومينائها والبحر الذي يفصل بينهما، كما نرى في منتصف الصورة السفن المتجهة للميناء للتجارة وكذلك قوارب الصيادين أما في الجزء الأسفل نشاهد في المنتصف راعيا يرعى أغنامه وفوق التلة نشاهد فلاحا يحرث الأرض بمساعدة ثوره. في اللوحة الأرض مخضرة والجبال مكتسية البياض والشمس مشرقة والناس تعمل في التجارة والزراعة والصيد والرعي، فأين إيكاروس من هذا كله؟

هذا بالضبط ما قصده بروخل من لوحته، حيث نجد إيكاروس في الجزء الأسفل يمينا لا تظهر منه إلا رجلاه بعد سقوطه في البحر. سقط إيكاروس ومات فماذا حدث؟ لا شيء.

الصياد أسفل الصورة يمينا لا بد أن يكون شاهد سقوطه فهو قد غرق بقربه لكن هل يتوقف عن الصيد؟ والفلاح أعلى التلة لا بد أنه شاهده فهل يتوقف عن حراثة أرضه وزراعتها؟ أراد بروخل أن يخبرنا أن الحياة لا تتوقف لموت رجل وأنها تستمر وعلى الناس أن تكمل أعمالها وإلا توقفت بها هي الحياة. بروخل هنا لم يرسم الغرور والعجب بالنفس ولا التهور ولا عدم الاستماع للحكماء ولا اندفاع الشباب، هنا رسم سيرورة الحياة التي لا تأبه لموت أحد.

وهذه اللوحة أحب تغيير اسمها التقليدي إلى اسم آخر أحبه وهو “ما به جديد” وهي أغنية شهيرة لمحمد عبده، تقول كلماتها التي كتبها بدر بن عبدالمحسن رحمه الله:

مرَّتني الدنيا.. بتسأل عن خبر

مابه جديد..

عشاق ليلة تفارقوا.. وصاروا بعيد..

لا طاحت نجوم السماء.. ولا تاه في الظلماء قمر

وفي المقابل توجد أبيات شعر في تاريخنا العربي تستغرب استمرار الحياة بعد موت أحبابهم وكأن الدنيا يجب أن تقف لعظم المصاب وجلل المصيبة، ولعل أشهرهم الشاعر الذي أراد أخاه حيا، وهو المهلهل بن ربيعة حيث يستغرب أن النيران عادت لتوقد لضيوف المجالس التي عادت ليجتمع إليها الناس والأضياف فيقول:

نبئت أن النار بعدك أوقدت

واستب بعدك يا كليب المجلس

أما الشاعرة ليلى بنت طريف فقد استغربت أن يورق الشجر بعد مقتل أخيها وسألته:

مالك يا شجر الخابور مورقا

كأنك لم تجزع على ابن طريف

والشاعر زينب بنت الطثرية أثار استغرابها أن يظل الأثل مكانه في الوادي المجاور وكأنه لم يعرف بمقتل أخيها يزيد:

أرى الأثل من وادي العقيق مجاوري

مقيما وقد غالت يزيد غوائله

وهناك شواهد أخرى لكنا نعلم أن الحياة تستمر وأن التأسي ينسي كما قال ابن زيدون” يكاد يقضي علينا الأسى لولا تأسينا”.

المراجع


أضف تعليق